الأحد، 26 أبريل 2026

ذاكرة لا تخون *** حكايات من قلب فلسطين *** للأديب الراقي / محمد خوجة ( Mohamed Khouja ) ............

ذاكرة لا تخون

حكايات من قلب فلسطين

للأديب الراقي

 محمد خوجة

Mohamed Khouja

............



ذاكرة لا تخون

حكايات من قلب فلسطين

الفصل الحادي عشر: على مشارف الوصول

الجزء الأول: ظل العبور

في عمق النفق كان الضوء يتأرجح مع الخطوات، لا يرافقها بل يعاندها، مصباح قديم معلق بسقف منخفض يهتز ويترك ظلالا غير مستقرة على الجدران.

تقدم عزام بخطوات محسوبة، لكن جسده لم يكن يثق بما يفعل، نبضه مرتفع، والإحساس بالأرض يضعف مع كل خطوة.

الممر يضيق تدريجيا، والهواء يزداد ثقلا حتى صار مقاومة صامتة.

توقف المصباح فجأة، ارتجف بعنف، وسقطت ذرة زجاج ارتطمت بالأرض بصوت حاد قصير.

تجمد عزام. الصوت لم يكن عاديا.

ثم انطفأ كل شيء دفعة واحدة.

اختفى الامتداد.

هواء أبرد، ورائحة تراب وخشب مبلل. رفع رأسه.

إسطبل في اخر الممر .

 الصمت فيه مختلف، مشدود أكثر من اللازم، التبن مبعثر بلا انتظام، والأخشاب واقفة بثقل غير طبيعي.

نضال كان هناك، واقفا دون حركة واضحة، عيناه معلقتان في زاوية مظلمة.

"نضال؟"

لم يجب في البداية. ثم التفت ببطء.

قال عزام: "كيف نصل دائما إلى أماكن لا نعرف كيف بدأت؟"

اقترب نضال خطوة ثم توقف.

"اسأل أبا علي."

ثم أضاف: "إن قال لك."

"أبو علي في الورشة… أُصيب." اجابه عزام بحيرة

تراجع نضال خطوة واصطدمت قدمه بخشب خلفه.

"متى؟"

"قبل قليل."

شد فكه.

"هذا لا يحدث صدفة."

احتكاك خفيف من الممر الجانبي. التفتا معا. الصوت أقرب.

رفع نضال يده: "ابق خلفي."

توقف.

الظل امتلأ بشخص.

أمل.

لم تكن دخيلة على المكان. كانت موجودة منذ اللحظة الأولى.

تجمد عزام. نفس الوجه، نفس النظرة التي رآها من قبل.

"أنت…"

قالت أمل بهدوء: "تأخرت."

التفت نضال نحوها: "من أنت؟"

لم تنظر إليه. بقيت عيناها على عزام.

"أنت رأيتني من قبل."

قال عزام بصوت منخفض: "كنت أظنك…"

"وهما؟"

صمت.

طرقت الجدار. تساقط الغبار.

"الأوهام لا تترك أثرا."

"كفى. من أدخلك؟"

نظرة قصيرة من أمل أوقفت السؤال لحظة. ثم عادت إلى عزام.

"في النفق، هل كنت تتقدم أم كنت تدفع؟ فكر جيدا."

تراجع عزام خطوة دون قرار.

"نضال…"

"هي كانت هناك قبل أن أصل."

تجمد نضال. نظر بينهما.

"إذا لسنا وحدنا منذ البداية."

"نخرج الآن."

تحرك نضال فورا. تبعه عزام، وأمل لحقت بهما دون استعجال.

الممر صار أضيق، والهواء أثقل، وخطوات نضال أسرع و أقرب إلى اندفاع مضبوط.

اقتربوا من المدخل.

الصوت خرج من هناك.

"أبو علي…"

توقف عزام لحظة.

تكرر النداء من جهة المدخل، أوضح هذه المرة، قريب من العتبة نفسها.

ارتفع نبضه فجأة. ضاق صدره، وانزلق شيء داخله دون سيطرة، ولمعت عيناه قبل أن يمسح أثرها سريعا.

شد عزام فكه، ثم اندفع.

تجاوز نضال بسرعة.

"تحرك!"

لم ينتظر.

سابق الخطى نحو المدخل، كأن الصوت يسحبه لا يناديه فقط.

"أبو علي…"

كلما اقترب، ازداد النداء وضوحا.

نضال لحق به مباشرة: "لا تتوقف!"

لكن عزام كان قد حسم اتجاهه.

المدخل أمامه.

والصوت ينتظره عند العتبة.

........

بقلم : محمد خوجة

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اعمال