تراكض الرجال ..باتجاهات متعاكسة...ارتطم بعضهم ببعض ..دب اليأس في قلوبهم ...مسافة طويلة تفصلهم عنه ...بضعة أمتار...الملجأ بعيد ..البعض استبشر ...صاح هلعا ..بصوت مرتجف ..يخفي رعبا شديدا ..دون جدوى ...: آن الأوان ..واقترب اللقاء .... لم يأبه لكلامه أحد ..الكل مشغول بقيامته...أرسلت الطائرة حقدها...زارع القتل وحاصد الأرواح بالجملة..
بسرعة كبيرة أدرك حسن الملجأ..لحق بالكثير من رفاقه..يحمل سلاحه على ظهره ..وعينه إلى السماء ..تجمعت الأرواح في أقفاص الصدور..
منهم بدأ يختنق قبل وصول الموت....
كالطيف مرت حياته كلها أمام ناظريه..الطفولة ..والشباب ..والبرزخ بينهما ..درس وتخرج في معهد الطب البيطري بحلب..
قامت الثورة ..كان من أوائل المتظاهرين .. نال نصيبه من الكدمات ..والمطاردات ..وعند تسليح الثورة ..حمل سلاحه وانتظم مع بعض أقربائه في إحدى كتائب الجيش الحر.. لم يكن مرتاحا كما رفاقه ..فالسلاح قليل والذخيرة شبه معدومة ..والمال شحيح...تعرضوا للابتزاز من قبل بعض أمراء الحرب ..وتم دفعهم بقوة إلى أحضان الغول الدموي
ذلك الفصيل الذي يحمل اسما إسلاميًا..خالصا ..ولكنه يبتعد عن الإسلام بعد الثريا عن الثرى ..دولة الخلافة ..كما أسماها صانعوها من غرب وعرب ..
أو اسم الشهرة ..داعش...
انتقل معهم من مكان إلى آخر يقاتل من يقول لله الذين يبتزونه دينيا ..يسمونهم أمراء ..وهم أقرب للقاذورات..:.هذا كافر اقتله ...
وهذا مرتد اقض عليه.. حتى أصبح العرف عنده كل ماهو غير داعشي كافر أو مرتد يجب قتله..
أسقطت عنه الفروض والطاعات من صلاة وصيام ..وزكاة وحج..بحجة أنه مجاهد ..ترك عباداته خلف ظهره ...وصار دينه القتل والقتل تحول إلى وحش..قاسي القلب والروح.. ظالم النفس ..
كما حال جميع رفاقه ..
نظر إلى الوجوه من حوله ..سوداء خالية من الدم من أثر الخوف..زفر زفرة ..وتنهد :آه ياعين العرب ..أشعر أنها النهاية....
أضاء ناشر الموت السماء ..تناثرت الحجارة ..تظاهرت ضد الطائرة واحتجت ...ثم تهاوت بعيدا ..تراكمت الجدران فوق رؤوسهم ..المحظوظ منهم تخلصت منه روحه وصعدت إلى حسابها ...والباقي بين فاقد للوعي ...وبين مصدر أنين..طغى السكون على المكان ..واستعمرتهم دهشة الموت ..ناداه أميره فاخر ذلك الذي بالدم شقيق أبيه : حسن ....حسن ..
لم يجب أحد ...شارك العم ابن عم له ..أمير هو الآخر ...اختلط صوتيهما بالنداء ..والاسم حسن..لحظات سمعا صوت أنين ..ثم ..نادى من تحت الركام ..:أنا هنا ..أنا جريح ...أخرجوني ..
هم العم أن يبدأ بإزالة الحجارة ليتسنى له إنقاذ ابن أخيه ..نظر إلى ابن عمه ..كان واقفا يتأمل..ويتمتم: ماذا تفعل؟
أجاب: هيا لنبدأ بإزالة الركام وننقذ الفتى ومن معه من الأحياء ..
ابتسم ابن العم ...وهز رأسه بعتب وأفتى: يا مؤمن ..هذا الفتى كتبت له الشهادة ..وهو سيذهب إلى حيث الحور العين ..ويهنأ بحياة أبدية هناك ..لماذا تريد حرمانه هذه النعمة ؟!!!
بهت العم فاخر ..تكلم شبه هامس:ولكنه حي ..ويقول أن جرحه ليس خطيرا..
...ضحك المجرم ..أقصد الأمير الآخر ..ابن العم : ولكن إن تركناه نال شهادة نحسده عليها ...
ران عليهما الصمت ..لحظات ...هز العم رأسه..مؤيدا..
التفت إلى حيث الفتى ناداه :حسن ..أنت ستذهب لتستمتع بالحور العين ... بلغهن سلامنا..سنلحق بك حين تحين فرصتنا ...
الوداع يا ابن أخي...كم أغبطك..
سارا جنبا إلى جنب ..رسما ابتسامة على وجهيهما فرحا لما ناله حسن من التكريم ... والحسد يملأ قلبيهما .....
أ/ عبد الله ربيع