الخميس، 19 أكتوبر 2017

الشهيد للمبدعة / رجاء الفاؤيك



"الشهيد"...
...أحسّ بحرارة شديدة تخترق صدره ،لم يألم لكنه شعر بالدهشة والصدمة ففارقت ابتسامته محياه ولفه الضباب...
أفاق بعدها ،كان الجو غريبا ،أحسّ بدفء الماء وهو ينسكب على جسده ،وبيدين تقلبانه يمنة ويسرة مرفوقتين بصوت دعاء مسترسل رتيب، لا روح فيه ،بل هي تمتمات حفظها صاحبها وكررها دون وعي منه ،وامتدت يد أخرى بقطع من القماش الأبيض فإذاهو مكسوّ بها من رأسه إلى أخمص قدميه ،أراد أن يعترض ولو بحركة من يده فلم يطاوعه جسمه،غير أنه أحس في ذات الوقت أن باستطاعته مغادرة هذا الجسد المسجّى وفعلا ،حلق بروحه بعيدا عنه وأحس بروعة ذلك وهو يرتفع فوق الرؤوس ،ومما زاد من روعة الأمر أنه كان يرى ما في صدور كل المتحلقين حوله رغم تلك العيون الزجاجية اللامعة بالدموع ،إنها تشبه الستار الذي يحجب الروح بكل ما يعتمل فيها ،لكنه كان قد اكتسب القدرة على اختراق تلك الحجب
بحث في كل النفوس ،فما وجد أثرا للحزن الذي يرتسم على الوجوه ،أصاخ السمع فاختلطت عليه الأصوات ... "تخلصت منه أخيرا ،موته سيكون أكثر فائدة من وجوده في حياتي ،علي أن أحسب خطواتي اللاحقة جيدا كي لا أضيع الفرصة"..."وأخيرا انزاح ذلك الكابوس وما كنت أظن يوما أنني سألقيه من على كتفي ،من الغد ستتغير الأمور وتعود إلى نصابها ،لقد منحنا قاتله فرصة ذهبية علينا استغلالها جيدا لنرسخ تواجدنا ونقضي على أعدائنا ..."..."هاقد تم الأمر وما كنت أظنه يتم ،لكن أتراهم يفون بوعودهم ويعطونني مكافأتي ؟ في النهاية لا يمكنني مطالبتهم بشيء وإلا كشف الامر وتورطت ...لا لا ، لا أظنهم سيخلفون الوعد فهم قد يحتاجونني ثانية "...
لم يصدق ما سمع ...أصابه دوار شديد فمادت الآفاق حوله ...ما الذي يحدث ؟ أليس هؤلاء هم الأقرب إليه ؟؟ أيكون هذا ما أرادوه له ؟
أراد أن يصرخ فيهم أن قد سمعتكم وعرفت ما تفكرون فيه ...لكن صوته لا يسمع ...!
مر أمامه شريط حياته كاملا وهو يسترجع ذكرياته مع كل هؤلاء ،...تمنى لو عاد به الزمن...لكن ما الفائدة ....ثم تذكر فجأة صديقه القديم ،ذاك الذي تخلى عنه وعن صداقته يوم اختلفا في الرأي ،بحث عنه وأخيرا وجده في اقصى ركن من القاعة .
كان يبكيه بحرقة ومشاعر الندم على فرقتهما تتآكله ،ليته ما تركه لوحده ... ليته تلقى الرصاصة بدلا عنه ....
شعرت روحه المحلقة في سماء الغرفة ببعض ارتياح فهاهو قد وجد أخيرا قلبا صادقا وسط هذه الحشود
عاد إلى الصفوف الأمامية باحثا عن والده فوجده وقد غامت عيناه وذهل عن الوجود ...ما يراه يفوق الوصف ،فالمأتم قد تحول لمهرجان يستعرض فيه كل واحد آراءه محاولا استغلال الحدث إلى أقصى حد دون مبالاة بهذا القلب المكلوم ...كان أبوه يتمسك بيدي طفلتيه محاولا طمأنتهما وهما تجيلان النظر في ذهول ولا تفهمان شيئا مما يحدث من حولهما،أو لعله كان يستمد منهما القوة التي كان يشعر بها بمجرد رؤيته لابنه وهو يدافع بجرأة عن قناعاته وآرائه،لم يكن بسيط التفكير فتجارب الحياة قد عركته وجعلته يميز بين الصديق الصدوق وصاحب المصلحة،لم يعد يهتم لذلك بعد أن فقد ابنه ،سنده الأوحد في هذه الدنيا ...
حُمِل النعش واتجه الركب المهيب إلى المقبرة ،غير أن تلك الروح الهائمة بقيت تحلق في الفضاء ،لا هي قادرة على العودة لجسدها الذي واراه التراب ، ولا هي استطاعت أن تضع لاضطرابها نهاية ...
غادر الجميع ...ونسي أمره...لكنه يجد نفسه أحيانا ممدّدا على طاولة تشريح ،وحوله ضباع ما تفتأ تنهش من لحمه وتمتص من دمائه دون ارتواء ،كل ذلك تحت أضواء ساطعة كانت يوما تلتمع على وجهه المتقد عزما ورفضا ...


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

اعمال